صديق الحسيني القنوجي البخاري
98
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ الإشراق الإضاءة ، يقال : أشرقت الشمس إذا أضاءت ، وشرقت إذا طلعت ، وأراد بالأرض عرصات القيامة ، أي الأرض الجديدة التي يوجدها اللّه في ذلك الوقت ، ليحشر الناس عليها ، وليس المراد بها أرض الدنيا . بِنُورِ رَبِّها أي بعدل ربها قاله الحسن وغيره ، وقال الضحاك : بحكم ربها . والمعنى أن الأرض أضاءت وأنارت بما أقامه اللّه من العدل بين أهلها ، وما قضى به من الحق فيهم ، فالعدل نور ، والظلم ظلمات . وقيل : ذلك حين يتجلى الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء بين خلقه ، فما يضارون في نوره كما لا يضارون في الشمس في يوم الصحو . وقيل : إن اللّه سبحانه يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق به غير نور الشمس والقمر ، ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي ، فإن اللّه سبحانه هو نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] قرأ الجمهور : أشرقت مبنيا للفاعل ، وقرىء على البناء للمفعول . وَوُضِعَ الْكِتابُ قيل : هو اللوح المحفوظ ، وقال قتادة يعني الكتب والصحف التي فيها أعمال بني آدم ، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله ، وكذا قال مقاتل : وقيل هو من وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه ، أي وضع الكتاب للحساب وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ إلى الموقف فسئلوا عما أجابتهم به أممهم . وَالشُّهَداءِ الذين يشهدون على الأمم من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما في قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] وقيل المراد بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل اللّه ، فيشهدون يوم القيامة لمن ذب عن دين اللّه . قاله السدي وقيل هم الحفظة كما قال تعالى : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ ق : 21 ] قاله ابن زيد قال ابن عباس النبيون الرسل والشهداء الذين يشهدون لهم بالبلاغ ليس فيهم طعان ولا لعان يشهدون بتبليغ الرسالة وتكذيب الأمم إياهم . ولما بين سبحانه أنه يوصل لكل ذي حق حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات أولاها قوله : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ أي قضى بين العباد بالعدل والصدق ، والثانية وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي والحال أنهم لا ينقصون من ثوابهم ولا يزاد على ما يستحقونه من عقابهم ختم الآية بنفي الظلم كما افتتحها بإثبات العدل ، والثالثة وَوُفِّيَتْ كُلُّ